حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

28

شاهنامه ( الشاهنامه )

أن فرغت من أشغالى كلها . وقد أمرت أن يعمل إلى تابوت من الذهب ، ويملأ من العسل ثم أضجع فيه مكفنا في الديباج والحرير . وعند الانتهاء إلى ذلك ينتهى الكلام . ثم احفظى وصيتي ، ولا تخالفى موعظتى ، ولا تمسكى من الأموال التي جمعتها من الهند والصين وسائر الأقاليم أكثر من القوت ، وفرقى الباقي على المحتاجين . ثم حاجتي إليك ألا تجزعي علىّ ولا تؤذى نفسك ، واشفعى إلى اللّه وعز وجل وأغيثينى بدعائك فإنه لا يأخذ بيدي غير ذلك » ثم ختم الكتاب ونفذه إلى الروم على يدي بعض المسرعين . موت الإسكندر ببابل ونقل جثمانه إلى الإسكندرية قال : ولما علم العسكر بمرض الإسكندر تسارعوا إلى خدمة تخته واجتمعوا على بابه وضجوا من وراء حجابه . فأمر الإسكندر بإخراج تخته من إيوانه إلى الفضاء فلما رأوه على ما به من الضعف أجهشوا اليه بالنحيب والبكاء . فقال لهم الإسكندر : استشعروا الخوف ، وتسربلوا لباس الحياء ، ولا تعدلوا عن الحجة البيضاء ، واحفظوا وصيتى ، ولا تخلعوا ربقة طاعتي . فلما فرغ من كلامه خرجت روحه فوقع العويل والنحيب في العسكر ، وقام الصراخ عليه . فأحرقوا داره التي كانت مستقره ، وحذفوا من دوابه ألف فرس . ثم جاءوا بتابوت من الذهب مملوء من العسل ، وغسله سكوبا بالماورد ، وغمره بالكافور ، وكفنه في ثوب ديباج مذهب ، ووضعه في وسط العسل من الرأس إلى القدم ، وأطبقوا عليه التابوت . فلما رفعوه من ذلك المكان اختلفت الفرس والروم فقالت الفرس : لا يدفن الإسكندر إلا حيث مات . وقالت الروم : لا يدفن إلا حيث ولد . فقال شيخ من فارس : إن هاهنا موضعا يقال له جرم ، وهناك وجبل من سأله عن شيء أجابه عنه بإذن اللّه ، فاسألوا الجبل حتى يحكم بينكم . فتوجهوا نحو الجبل فسألوه فأجاب وقال : ما لكم تحبسون تابوت الملك ؟ إن تراب الإسكندر في أرض الإسكندرية التي بناها في حياته . فبادَروا عن ذلك إلى حمله وحملوه إلى الإسكندرية . رثاء الحكماء للإسكندر فلما وصلوا إليها خرج الخلائق واجتمعوا على تابوته حتى لو حسبهم المهندس لوجدهم يزيدون على مائة ألف . فجاء الحكيم أرسطاليس ووضع يده على تابوته وقال : أين رأيك وعقلك أيها الملك حتى صار مسكنك هذا المكان الضيق ؟ وكيف أفضيت بنضارة الشباب إلى مضاجعة التراب ؟ وقال آخر : أيها الملك ! ما زلت تدفن الذهب حتى أفضيت بنضارة الشباب إلى مضاجعة التراب ؟ وقال آخر : أيها الملك ! ما زلت تدفن الذهب حتى دفنت فيه ووقعت في خطب لا سبيل إلى تلافيه . واجتمع علماء الروم فخاطبه كل واحد منهم بحكمة ، وابنه بموعظة .